أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

196

العقد الفريد

ونصلح سلاحنا ؛ ثم دعوناهم إلى الإسلام والدخول فيه ، فأبعدوا منه ، فسألناهم الجزية عن صغار أو الصلح ، فكانت هذه أبعد ؛ فأقمنا عليهم ثلاث عشرة ليلة ، نتأنّاهم وتختلف رسلنا إليهم ، فلما يئس منهم ، قام خطيبا فحمد اللّه وأثنى عليه ، وذكر فضل الجهاد وما لصاحبه إذا صبر واحتسب ، ثم نهضنا إلى عدونا وقاتلناهم أشدّ القتال يومنا ذلك ، وصبر فيه الفريقان ، فكانت بيننا وبينهم قتلى كثيرة ، واستشهد اللّه فيهم رجالا من المسلمين ، فبتنا وباتوا وللمسلمين دويّ بالقرآن كدويّ النحل ، وبات المشركون في خمورهم وملاعبهم ؛ فلما أصبحنا أخذنا مصافنا التي كنا عليها بالأمس ، فزحف بعضنا على بعض ، فأفرغ اللّه علينا صبره وأنزل علينا نصره ، ففتحناها من آخر النهار ، فأصبنا غنائم كثيرة ، وفيئا واسعا ، بلغ فيه الخمس خمسمائة ألف ؛ فصفق « 1 » عليها مروان بن الحكم ، فتركت المسلمين قد قرت أعينهم وأغناهم النفل ، وأنا رسولهم إلى أمير المؤمنين أبشّره وإياكم بما فتح اللّه من البلاد ، وأذلّ من الشّرك ؛ فاحمدوا اللّه عباد اللّه على آلائه وما أحل بأعدائه من بأسه الذي يردّ عن القوم المجرمين . ثم سكت فنهض إليه أبوه الزبير فقبل بين عينيه وقال : ذرية بعضها من بعض واللّه سميع عليم . يا بني : ما زلت تنطق بلسان أبي بكر حتى صمتّ . خطبة للإمام علي كرم اللّه وجهه جاء رجل إلى عليّ كرم اللّه وجهه فقال : يا أمير المؤمنين ، صف لنا ربنا ، لنزداد له محبة ، وبه معرفة . فغضب عليّ كرّم اللّه وجهه ، ثم نادى : الصلاة جامعة . فاجتمع الناس إليه حتى غص المسجد بأهله ؛ ثم صعد المنبر وهو مغضب متغير اللون ، فحمد اللّه وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم صلى على النبي محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم قال : والحمد للّه الذي لا يفره المنع ، ولا يكديه الإعطاء ، بل كل معط ينقص سواه ؛

--> ( 1 ) أي حفظها في خزانته .